محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

180

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

يعرف بها ؟ قال : نعم ، التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والاستعداد للموت قبل نروله » « 1 » ، أو كما قال صلى اللّه عليه وسلم ، وعند ذلك تموت شهواته ، وتذهب دواعي نفسه ، فلا تأمره بسوء ، ولا تطالبه بارتكاب منهيّ ، ولا يكون همّه إلا المسارعة إلى الخيرات ، والمبادرة إلى اغتنام الساعات والأوقات ، وذلك لاستشعاره حلول الأجل وفوات صالح العمل . وإلى هذا المعنى الإشارة بحديثي : حارثة ، ومعاذ ، رضي اللّه تعالى عنهما : روى أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال : بينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يمشي إذا استقبله شاب من الأنصار ، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : « كيف أصبحت يا حارثة » ؟ فقال : أصبحت مؤمنا باللّه حقا ، قال : « انظر ما تقول ، فإن لكل قول حقيقة » ، فقال : يا رسول اللّه ، عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي ، وأظمأت نهاري ، فكأني بعرش ربّي بارزا وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها ، وكأني أنظر إلى أهل النار يتعاوون فيها ، فقال : « أبصرت ، فالزم ، عبد نوّر اللّه الإيمان في قلبه » . قال : يا رسول اللّه ، ادع اللّه لي بالشهادة فدعا له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فنودي يوما في الخيل : يا خيل اللّه اركبي ، فكان أول فارس ركب ، وأول فارس استشهد ، فبلغ أمّه ذلك ، فجاءت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالت له : يا رسول اللّه ، أخبرني عن ابني حارثة ، فإن يك في الجنة فلن أبكي ولن أجزع ، وإن يك في غير ذلك بكيت ما عشت في الدنيا ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « يا أم حارثة ، إنها ليست بجنة ، ولكنها جنة في جنات ، وحارثة في الفردوس الأعلى » « 2 » فرجعت وهي تضحك وتقول : بخ بخ لك يا حارثة . وروى أنس أيضا : أن معاذ بن جبل دخل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يبكي ، فقال له : « كيف أصبحت يا معاذ » قال : أصبحت باللّه مؤمنا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن لكل قول مصداقا ، ولكل حق حقيقة ، فما مصداق ما تقول ؟ » قال : يا نبي اللّه ، ما أصبحت صباحا قطّ إلّا ظننت أن لا أمسي ، وما أمسيت مساء قط إلّا ظننت ألا أصبح ، ولا خطوت خطوة قط إلا ظننت أن لا أتبعها أخرى ، وكأني أنظر إلى كل أمّة جاثية تدعى إلى كتابها ، معها نبيها وأوثانها التي كانت تعبد من دون اللّه ، وكأني أنظر إلى عقوبة أهل الدار ، وثواب أهل الجنة ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « عرفت فالزم » « 3 » .

--> ( 1 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 9 / 327 ) . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة ( أدب ، 18 ) . ( 3 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 2 / 238 ) ، والسيوطي في ( الدر المنثور 3 / 163 ) ، وابن أبي شيبة في ( الإيمان 114 - 115 ) ، والشجري في ( الأمالي 1 / 32 ) ، وابن كثير في ( التفسير 3 / 553 ) والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 4 / 215 ) ، وأبو نعيم في ( حلية الأولياء 1 / 242 ) .